يتعاون العامل مع الذكاء الاصطناعي في منشأة تصنيع صناعية حديثة.

من أكبر المفاهيم الخاطئة حول الذكاء الاصطناعي الاعتقاد بأنه إما يحل محل الوظائف البشرية بالكامل أو أنه لا يفعل أي شيء مفيد على الإطلاق.

مقالات قد ترغب في قراءتها بعد هذه المقالة:

🔗 ما هي الوظائف التي سيحل محلها الذكاء الاصطناعي؟ – نظرة على مستقبل العمل – فحص الأدوار الأكثر عرضة للأتمتة وكيف يعيد الذكاء الاصطناعي تشكيل أسواق العمل حول العالم.

🔗 الوظائف التي لا يمكن للذكاء الاصطناعي أن يحل محلها (والوظائف التي سيحل محلها) - منظور عالمي - استكشف نظرة عالمية حول تأثير الذكاء الاصطناعي - مع تسليط الضوء على كل من المسارات المهنية عالية المخاطر والمرنة في عصر الأتمتة.

🔗 متى ستأتي روبوتات إيلون ماسك لتأخذ وظيفتك؟ – ابحث في الروبوتات التي تعمل بالذكاء الاصطناعي من تسلا وما تشير إليه بشأن مستقبل القوى العاملة القريب.

أشارت مقالة حديثة في بلومبيرغ إلى ادعاء خبير اقتصادي من معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا بأن الذكاء الاصطناعي لا يستطيع القيام إلا بـ 5% من الوظائف، بل وحذّرت من احتمال حدوث انهيار اقتصادي بسبب محدودية قدراته. قد يبدو هذا الرأي حذراً، ولكنه يغفل الصورة الأوسع لدور الذكاء الاصطناعي التحويلي في مختلف القطاعات وتوسعه المطرد ليشمل مجالات أوسع بكثير مما تشير إليه الأرقام.

من أكبر المفاهيم الخاطئة حول الذكاء الاصطناعي الاعتقاد بأنه إما يحل محل الوظائف البشرية تمامًا أو أنه لا يقدم أي فائدة تُذكر. في الواقع، تكمن قوة الذكاء الاصطناعي في تعزيز العمل وتحسينه وإعادة تشكيله، لا مجرد استبداله. حتى لو أمكن أتمتة 5% فقط من الوظائف اليوم، فإن العديد من المهن الأخرى تشهد تحولًا جذريًا بفضل الذكاء الاصطناعي. يُعد قطاع الرعاية الصحية مثالًا جيدًا: لا يستطيع الذكاء الاصطناعي أن يحل محل الطبيب، ولكنه قادر على تحليل الصور الطبية، وتحديد الحالات الشاذة، واقتراح التشخيصات بدقة تدعم الأطباء. يتطور دور أخصائيي الأشعة، إذ يُمكّنهم الذكاء الاصطناعي من العمل بسرعة أكبر وبثقة أعلى. ولا يقتصر هذا على قطاع الرعاية الصحية فحسب؛ فالتمويل والقانون والتسويق تشهد تحولات مماثلة. لذا، بدلًا من التركيز فقط على الوظائف التي تم استبدالها، علينا أن ننظر إلى عدد الوظائف التي تتغير، وهذا العدد يتجاوز بكثير نسبة 5%.

إنّ الادعاء بنسبة 5% يُصوّر الذكاء الاصطناعي وكأنه راكد ومحدود النطاق. في الحقيقة، الذكاء الاصطناعي تقنية متعددة الأغراض، كالكهرباء والإنترنت. بدأت كلتا التقنيتين باستخدامات محدودة، كالإضاءة الكهربائية وربط الإنترنت مختبرات الأبحاث، لكنهما سرعان ما انتشرتا في كل جوانب الحياة والعمل تقريبًا. يسير الذكاء الاصطناعي على نفس الدرب. قد يبدو اليوم أنه لا يستطيع سوى أداء نطاق ضيق من المهام، لكن قدراته تتوسع بوتيرة متسارعة. فإذا كان الذكاء الاصطناعي يُؤتمت 5% من الوظائف اليوم، فقد تصل النسبة إلى 10% العام المقبل، وأكثر من ذلك بكثير خلال خمس سنوات. يستمر الذكاء الاصطناعي في التطور مع تقدم خوارزميات التعلم الآلي وظهور تقنيات جديدة، كالتعلم الذاتي.

من المشكلات الأخرى للتركيز على الوظائف التي يمكن الاستغناء عنها تمامًا، إغفالُ القوة الحقيقية للذكاء الاصطناعي، ألا وهي أتمتة أجزاء من الوظائف، مما يتيح للبشر التركيز على المهام التي تتطلب الإبداع أو التخطيط الاستراتيجي أو مهارات التواصل. وتشير تقديرات ماكينزي إلى أن 60% من الوظائف تتضمن على الأقل بعض المهام التي يمكن أتمتتها. وغالبًا ما تكون هذه المهام متكررة أو روتينية، وهنا تكمن القيمة المضافة الهائلة للذكاء الاصطناعي، حتى وإن لم يحلّ محلّ الوظائف بالكامل. فعلى سبيل المثال، في خدمة العملاء، تتولى روبوتات الدردشة المدعومة بالذكاء الاصطناعي معالجة الاستفسارات الشائعة بسرعة، بينما يُترك للموظفين البشريين معالجة المشكلات المعقدة. وفي التصنيع، تؤدي الروبوتات مهامًا عالية الدقة، مما يتيح للبشر التركيز على مراقبة الجودة وحل المشكلات. قد لا يقوم الذكاء الاصطناعي بالعمل بأكمله، ولكنه يُحدث تحولًا جذريًا في طريقة إنجاز العمل، مما يُحقق كفاءات عالية.

إن مخاوف الاقتصاديين من انهيار اقتصادي بسبب القيود المفترضة للذكاء الاصطناعي تستدعي دراسة متأنية. تاريخيًا، تتكيف الاقتصادات مع التكنولوجيا الجديدة. يُسهم الذكاء الاصطناعي في زيادة الإنتاجية بطرق قد لا تكون واضحة للعيان، وتُعوض هذه الزيادة المخاوف بشأن فقدان الوظائف. يبدو أن الحجة القائلة بأن غياب التحول المدفوع بالذكاء الاصطناعي سيؤدي إلى فشل اقتصادي تستند إلى افتراض خاطئ: وهو أنه إذا لم يحل الذكاء الاصطناعي محل سوق العمل بأكمله على الفور، فسيفشل فشلًا ذريعًا. لا يسير التغيير التكنولوجي بهذه الطريقة. بدلًا من ذلك، من المرجح أن نشهد إعادة تعريف تدريجية للأدوار والمهارات. سيتطلب هذا استثمارات في إعادة تأهيل المهارات، ولكنه ليس وضعًا يؤدي إلى انهيار مفاجئ. بل على العكس، سيعزز تبني الذكاء الاصطناعي نمو الإنتاجية، ويقلل التكاليف، ويخلق فرصًا جديدة، وكل ذلك يشير إلى توسع اقتصادي بدلًا من انكماش.

لا ينبغي النظر إلى الذكاء الاصطناعي كتقنية أحادية الجانب. تتبنى القطاعات المختلفة الذكاء الاصطناعي بوتيرة متفاوتة، مع تطبيقات متنوعة تتراوح من الأتمتة الأساسية إلى اتخاذ القرارات المعقدة. إن حصر تأثير الذكاء الاصطناعي في 5% فقط من الوظائف يتجاهل دوره الأوسع في دفع عجلة الابتكار. ففي قطاع التجزئة، على سبيل المثال، ساهمت الخدمات اللوجستية وإدارة المخزون المدعومة بالذكاء الاصطناعي في زيادة الكفاءة بشكل كبير، حتى وإن لم يتم استبدال موظفي المتاجر بالروبوتات بشكل جماعي. إن قيمة الذكاء الاصطناعي أوسع بكثير من مجرد استبدال العمالة بشكل مباشر، فهي تتعلق بتحسين سلاسل التوريد، وتعزيز تجربة العملاء، وتوفير رؤى مستندة إلى البيانات لم تكن متاحة من قبل.

إن فكرة أن الذكاء الاصطناعي لا يستطيع أداء سوى 5% من الوظائف تتجاهل تأثيره الحقيقي. فالذكاء الاصطناعي لا يقتصر على الاستبدال التام للوظائف، بل يُحسّن الأدوار، ويُؤتمت أجزاءً منها، ويُثبت أنه تقنية متعددة الأغراض تزداد قوةً يومًا بعد يوم. من تعزيز العمل البشري إلى أتمتة المهام الروتينية وزيادة الإنتاجية، يمتد تأثير الذكاء الاصطناعي الاقتصادي إلى ما هو أبعد من مجرد استبدال الوظائف. إذا ركزنا فقط على ما لا يستطيع الذكاء الاصطناعي فعله اليوم، فإننا نخاطر بتجاهل التغييرات الدقيقة، وإن كانت جوهرية، التي يُحدثها بالفعل في سوق العمل، والتي سيستمر في إحداثها مستقبلًا. لا يكمن نجاح الذكاء الاصطناعي في الوصول إلى هدف مُحدد للوظائف المؤتمتة، بل في مدى قدرتنا على التكيف والتطور والاستفادة القصوى من هذه التقنية التي لا تزال في مراحلها الأولى من إحداث ثورة في عالمنا.

العودة إلى المدونة